الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
342
المنقذ من التقليد
بعد مفارقة الدنيا فمع تقرّر هذه الجملة لا يتصور أن يخرج من الدنيا ، الّا وقد وفّر عليه ما يستحقّه من الأعواض . أمّا إسقاط المستحقّ للعوض عوضه فمن وجب عليه فقد منع منه القاضي وقال : العوض وإن كان حق المعوّض ، إلّا أنّه لا يعرف قدره وليس إليه قبضه واستيفاؤه فلا يصحّ منه إسقاطه ، فهو كالصبيّ المولّى عليه الذي لا يصحّ منه إسقاط حقه ودينه من المديون وإبراء ذمّته ، لما لم يعرف قدره ولم يصحّ منه استيفاؤه . وذهب أبو الحسين إلى انّه إن كان الذي وجب عليه العوض ممّن يصحّ أن ينتفع بسقوط العوض عنه ، فانّه يصحّ من المستحقّ للعوض أن يسقط عنه وذلك كالعوض الذي يستحقّه المظلوم على ظالمه ، فانّه إن أسقطه المظلوم سقط عنه . وما قاله القاضي من « أنّ المستحقّ للعوض ، لا يعرف قدره » ، أجاب عنه بأنّه : لا حاجة إلى أن يعرف قدره على التفصيل ، إذ هو عالم به على الجملة ، وذلك كاف في صحّة الإسقاط . وعلى هذا صحّ الصلح بين المتخاصمين وإبراء كلّ واحد منهما صاحبه وإن لم يعرفا مقدار ما يتنازعان ويتخاصمان فيه . وأمّا قوله : « ليس إليه استيفاؤه » فليس كذلك ، لأنّ من له استيفاء حقّه ممّن عليه ، ليس له من ذلك الّا مطالبته أو مطالبة وليّه به وذلك صحيح من مستحقّ العوض ، بأن يسأل اللّه تعالى أن يوفّر عليه عوضه الذي استحقّه عليه تعالى وأن يستوفي له ما استحقّه على غيره منه ، لأنّه تعالى وليّ عباده وفارق الصبيّ الذي ليس له ذلك . وإنّما ليس له أن يطالب غيره تعالى ممّن استحقّ عليه العوض ، لأنّ واحدا منهما لا يعرف قدره . وإن كان الذي وجب عليه العوض ممّن لا يصحّ انتفاعه بسقوط العوض عنه ، وهو اللّه تعالى ، فانّه لا يصحّ إسقاطه ولا يحسن ، بل اسقاطه فيه عبث وسفه . إذ لا نفع فيه للمسقط ، ولا للمسقط عنه ، إذ هو تعالى منزّه عن المنافع